محمد بن جرير الطبري

54

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

( قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين ئ قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) يقول تعالى ذكره : قال ضيف إبراهيم له : بشرناك بحق يقين ، وعلم منا بأن الله قد وهب لك غلاما عليما ، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل الله فييأسون منه ، ولكن أبشر بما بشرناك به وأقبل البشرى . واختلفت القراء قوله : من القانطين فقرأته عامة قراء الأمصار : من القانطين بالألف . وذكر عن يحيى بن وثاب أنه كان يقرأ ذلك : القنطين . والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار ، لاجماع الحجة على ذلك وشذوذ ما خالفه . وقوله : قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم للضيف ومن ييأس من رحمة الله إلا القوم الذين قد أخطئوا سبيل الصواب وتركوا قصد السبيل في تركهم رجاء الله ، ولا يخيب من رجاه ، فضلوا بذلك عن دين الله . واختلفت القراء في قراءة قوله : ومن يقنط فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة : ومن يقنط بفتح النون إلا الأعمش والكسائي فإنهما كسر النون من يقنط . فأما الذين فتحوا النون منه ممن ذكرنا فإنهم قرأوا : من بعد ما قنطوا بفتح القاف والنون . وأما الأعمش فكان يقرأ ذلك : من بعد ما قنطوا بكسر النون . وكان الكسائي يقرؤه بفتح النون . وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأ الحرفين جميعا على النحو الذي ذكرنا من قراءة الكسائي . وأولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة من قرأ : من بعد ما قنطوا بفتح النون ، ومن يقنط بكسر النون ، لاجماع الحجة من القراء على فتحها في قوله : من بعد ما قنطوا فكسرها في ومن يقنط أولى إذا كان مجمعا على فتحها في قنط ، لان فعل إذا كانت عين الفعل منها مفتوحة ولم تكن من الحروف الستة التي هي حروف الحلق ، فإنها تكون في يفعل مكسورة أو مضمومة فأما الفتح فلا يعرف ذلك في كلام العرب . القول في تأويل قوله تعالى :